محمد سعيد رمضان البوطي

225

فقه السيرة ( البوطي )

رسول اللّه هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا ، ومنهم من يقول : لم يضيق اللّه عليك ، النساء كثير ، واسأل الجارية - يعني بريرة - تصدقك ، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بريرة ، وسألها : « هل رأيت من شيء يريبك من عائشة » فأخبرته أنها لم تعلم عنها إلا الخير ، فقام عليه الصلاة والسلام على المنبر ، فقال : « يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي ؟ فو اللّه ما علمت على أهلي إلا خيرا » ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، فقام سعد بن معاذ ، فقال : أنا أعذرك منه يا رسول اللّه ، إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، فتلاغط الناس في المسجد حتى أسكتهم رسول اللّه . ثم دخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبواي عندي ، وهما يظنان أن البكاء فالق كبدي ، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء ، قالت : فتشهد حين جلس ، ثم قال : « أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه وتوبي إليه » ، قالت : فلما قضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مقالته ، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب عني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : واللّه لا أدري ما أقول . فقلت لأمي : أجيبي عني ، فقالت : واللّه ما أدري ما أقول ، فقلت : واللّه لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به ، فإن قلت لكم إني بريئة - واللّه يعلم أني بريئة - لا تصدقوني في ذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر - واللّه يعلم أني بريئة - لتصدقنني ، إني واللّه ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [ يوسف : 18 ] ، قالت : ثم تحوّلت فاضطجعت على فراشي . قالت : فو اللّه ما رام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مجلسه ، ولا خرج من أهل البيت أحد ، حتى أنزل اللّه عز وجل على نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه ، قالت : فسري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يضحك ، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال : « أبشري يا عائشة أما اللّه فقد برأك » ، فقالت أمي : قومي إليه « أي اشكريه » فقلت : لا واللّه لا أقوم إليه ولا أحمد إلا اللّه ، هو الذي أنزل براءتي ، قالت فأنزل اللّه عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 11 ) [ النور : 11 ] إلى آخر عشرة آيات . قالت : وكان أبي ينفق على مسطح لقرابته منه ولفقره ، فقال : واللّه لا أنفق عليه